الرئيسية / عن الدار / كلمة رئيس مجلس الإدارة في بيان الهدف المنشور من النشر

كلمة رئيس مجلس الإدارة في بيان الهدف المنشور من النشر

عرف العالم العربي والإسلامي الطباعة والنشر منذ عشرات السنين، ونهضت هذه الحرفة عامًا بعد عام، حتى صارت الطباعة والنشر منارة العلوم على الإطلاق. وقد لاقت جميع المطبوعات قبولًا عند جميع فئات الناس قديمًا؛ ذلك لوجود الهدف الواضح من حرفية الطباعة والنشر، وهو توعية الناس، وإيصال العلوم لهم سهلة طرية دون تعب أو عناء، خصوصًا في ظل وحدة العلماء، ودعوتهم جميعًا إلى ضرورة العلم، وإرشاد الناس إلى طريقه، وبيان كيفية الأخذ به، دون منازعات أو خصومات سياسية أو حزبية.

في الوقت نفسه؛ فإن الأمة العربية وإن كانت قد عرفت الطباعة متأخرًا، إلا أنها من أولى الأمم التي اهتمت بالتعليم، وتنافس الحكام عقودًا طويلة متعاقبة في إبراز فترات حكمهم من خلال النهضة بالعلم والعلماء، فعقدوا له الدواوين، وأنشأوا المدارس، وأقاموا للشعر أنديته، وكلفوا أصحاب اللغات تعليم أبناء الأمة مختلف اللغات، وقاموا على حركات الترجمة من تراث اليونان والسريان وغيرهم، حتى صارت الأمة العربية هي أمة العلم والحضارة دون منازع. جمعت الثقافات المختلفة للشعوب من خلال عميلات النقل والترجمة، وأصبغت عليها الحس الأخلاقي والوازع الديني، فضلًا عن المؤلفات الدينية المختلفة في التفسير وعلوم القرآن، والعقيدة والفسلفة، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، واللغة وفروعها، والأدب والنقد، والتاريخ الإسلامي، والطب، والهندسة، والفيزياء، وغيرها، هذه الكتب وتلك التي صارت منارة يسترشد بها الغربيون وأصحاب الحضارات الأخرى في إقامة حضاراتهم، ونهضة ثقافاتهم. ولا أدل على ذلك من أن قيام حركة الاستشراق في الأساس كان قائمًا على قاعدة جمع كتب العالم الشرقي، تاريخه وآدابه وحضاراته وأديانه، حتى صارت باريس في القرن الثامن عشر حسب تعبير البعض: “كعبة يؤمها لعلماء من كل مكان”.

نعم؛ إنها الحقيقة التي غفل عنها العرب والمسلمون حينما أثرت عليهم ماديات الحياة، فالغرب أصحاب حضارة الجهل وعدم المعرفة، صاروا عظماء أقوياء في مختلف العلوم العربية والإسلامية، بفضل كتب التراث التي خلفتها الدولة الأموية والعباسية. فقاموا على تحقيقها، ومقارنتها بغيرها للوصول إلى أصح الأقوال وأضعفها، ثم قاموا بترجمتها، وإخراجها للطباعة والنشر، وأنشأوا المعاهد والكراسي المختلفة لتدريسها، فصاروا أمة عظيمة بفضل تراثنا!!! وصرنا في المقابل ضعفاء لا نقوى على ثقافة أو علم، إلا إذا سافرنا إلى الغرب وتعلمنا على أيديهم في الغالب!!.

لم تكن المشكلة كامنة فقط في عدم وجود المراكز البحثية التي تهتم بالتخريج والتحقيق والتدقيق، ثم النشر والتوزيع، بل المشكلة كبيرة كبر الجهل ذاته، تارة في المناهج التعليمية المختلفة الهابطة، وتارة ثانية في عدم تشجيع الدول للتعليم وإثراء الحركة الأدبية، وتارة ثالثة في ضعف المنهج عند العلماء، فلا تجد عالمًا ملمًا بمختلف علوم الشريعة إلا قليل، وصار تخصص جزء الجزء حجة لكل جاهل، فيقول ما تخصصت إلا في كذا، وما درست إلا كذا، وهو مطلوب لا شك، ولكن بعد ترسيخ القاعدة الكبرى، وهو الإلمام بمختلف العلوم. ثم يأتي دور الطباعة والنشر في ترويج أعظم لمشكلة الجهل والتخلف، لا من خلال دورها، فهذا ما لا نقصده، بل من خلال ما تقوم على نشره!! فصارت دور النشر ربحية، يعمل عليها الوراقين المتمرسين لا أصحاب الخبرات أو المتخصصين الأكاديميين، إلا ما رحم الله من مراكز فقهية، ومجامع علمية صارت كاليد في بحر لُجّي، لا يكاد يراها المبصر، في ظل ركام كبير، وفساد طويل حلَّ على مجتمعاتنا، بين حزبية وعنصرية، وعنترية جوفاء!! فجاءت كثير من الكتب مبتورة، وأكثر التحقيقات مصطنعة، وأغلب المنشورات هي لدر الربح لا لبعث النهضة وإثراء المعرفة.

ومن هنا كانت فكرة هذه الدار، الدار العالمية لتقنية المعلومات؛ تعمل على تنفيذ عدة مشاريع في التفسير وعلوم القرآن، وفي الأديان عقائد وأحكام، وفي ترجمة معاني القرآن، وهي مشاريع من فكر رئيس مجلس إدارة الدار، وفيها كانت أبحاثه العلمية الأكاديمية. ثم يأتي مشروع النشر، وهو عبارة عن سلاسل، أهمها السلسلة العشرينية التي تجمع عشرين علمًا، في كل علم عشرين كتابًا، يسبق كل علم منها مدخل بمثابة مفتاح هذا العلم، من خلال لجنة علمية متخصصة، ليس ذلك فحسب؛ بل يتم الدعوة لإقامة المؤتمرات والندوات والمشاركة بأبحاث حول الموضوع الواحد، ليكون العالم كله مشاركًا في إعداد هذه السلسلة، فتجني ثمارها سريعا، ويعرفها القاصي والداني، ناهيك عن كونها سلسلة غير أحادية الفكر، ولا مذهبية التوجه. ثم تتوالى السلاسل تلو السلاسل إن شاء الله على نفس المنهج، وفي نفس الطريق، للوصول إلى الهدف المنشود، وهو إحياء علوم الأمة، وإثراء الحركة الأدبية والمعرفية، طباعة وبرمجة.